السيد محمد تقي المدرسي
85
من هدى القرآن
سيتبع روح القرار وأهداف القيادة ، حتى من دون أن تحدد هي ذلك بالضبط . فبنو إسرائيل لما قال لهم موسى عليه السلام إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، أمطروه بوابل من الأسئلة : ما هذه البقرة ؟ ما لونها ؟ ما شكلها ؟ ما . . ما . الخ ؟ . فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 71 ] لأن التسليم النفسي لم يكن موجودا عندهم بما فيه الكفاية ، فكانوا يريدون التنصل من المسؤولية بأية وسيلة كانت . ولا يكتمل إيمان المؤمن حتى تذوب شخصيته في شخصية الأمة ، ويبيع نفسه وتوجهاته في الحياة للقيادة الرسالية ، بأن يكون رهن أوامرها ، كما لا يكتفي بتنفيذ ظاهرها فقط ، وإنما يغوص إلى الأعماق ، ليكتشف أبعادها ، ويطبقها بالشكل الأكمل ، بخضوع قلبي تام ، وقد وصف القرآن المؤمنين بذلك حيث قال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] ، والتسليم هو الانصياع النفسي التام . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فلا يشكل الإيمان بالله وحده قيمة حقيقية ما لم يكن مقترنا بالإيمان بالرسول ، وما يترتب على ذلك من تلقي الأوامر والتعليمات والتشريعات الإلهية منه ، وهذا ما يميز المؤمن الحقيقي عن المؤمن الظاهري . وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ أي إنهم لا يتصرفون وفق رغباتهم الشخصية ، إنما يدعون القرار الحاسم بيد القيادة . إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ قد تحتاج إلى هذا الشخص فيجوز لك أن تأذن له . وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لأن ذهابهم وإن كان بأمر الرسول إلا إنه نوع من الذنب أو التقصير ، لذلك ينبغي للرسول الاستغفار لهم حتى يغفر الله لهم من جهة ، وحتى يكون ذلك إشعارا للآخرين بأن لا يطلبوا أذنا مماثلا ، وبالتالي ينفض الناس شيئا فشيئا ويبقى الرسول وحيدا في الساحة . وجاء في التاريخ إن هذه الآية : ( نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا إِذَا جَمَعَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله لِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ - فِي بَعْثٍ يَبْعَثُهُ أَوْ حَرْبٍ قَدْ حَضَرَتْ - يَتَفَرَّقُونَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَنَهَاهُمُ الله عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ ) « 1 » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 17 ص 26 ، تفسير القمي : ج 2 ص 109 .